فصل: أَرَأَيْتَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الإتقان في علوم القرآن (نسخة منقحة)



.الْبَلَدُ:

أَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ. قَالَ: أَوْ لَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تُفْرَدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا‏».

.وَالشَّمْسِ:

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشَّمْس: 9]. أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى».

.أَلَمْ نَشْرَحْ:

أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ‏: أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي».

.الزَّلْزَلَةُ:

أَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزَّلْزَلَة: 4]. قَالَ: أَتُدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا‏: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَنْ تَشَهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ عَمِلَ كَذَا وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا».

.الْعَادِيَاتُ:

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ- بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [الْعَادِيَات: 6]. قَالَ: الْكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رَفْدَهُ».

.أَلْهَاكُم:

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ- مُرْسَلًا- قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {التَّكَاثُرُ} [التَّكَاثُر: 1]. عَنِ الطَّاعَةِ {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التَّكَاثُر: 2]. حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَوْتُ‏».
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رُطَبًا وَشَرِبُوا مَاءً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏: هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنْهُ‏».
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [أَلْهَاكُمُ: 8]. قَالَ: الْأَمْنُ وَالصِّحَّةُ».

.الْهُمَزَةُ:

أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} [الْهُمُزَة: 8]. قَالَ: مُطْبَقَةٌ‏».

.أَرَأَيْتَ:

أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو يَعْلَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الْمَاعُون: 5]. قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا».

.الْكَوْثَرُ:

أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ أَعْطَيْنَاهُ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ لَهُ طُرُقٌ لَا تُحْصَى».

.النَّصْرُ:

أَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النَّصْر: 1]. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي».

.الْإِخْلَاصُ:

أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ- لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَهُ- قَالَ: «الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ».

.الْفَلَقُ:

أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى» قَالَ ابْنُ كَثِير: غَرِيبٌ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ‏.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَأَرَانِي الْقَمَرَ حِينَ طَلَعَ، وَقَالَ: تَعَوُّذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ‏».
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} قَالَ: النَّجْمُ الْغَاسِقُ».
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ‏: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ‏.

.النَّاسُ:

أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خُرْطُومَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ‏‏- أَيْ: سَكَنَ- وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ».

.خَاتِمَةٌ:

فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمَرْفُوعَةِ الْمُصَرَّحِ بِرَفْعِهَا، وَصَحِيحِهَا وَحَسَنِهَا، ضَعِيفِهَا وَمُرْسَلِهَا وَمُعْضَلِهَا، وَلَمْ أُعَوِّلْ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ وَالْأَبَاطِيل.
وَقَدْ وَرَدَ مِنَ الْمَرْفُوعِ فِي التَّفْسِيرِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ طِوَالٌ تَرَكْتُهَا‏.
‏أَحَدُهَا‏: الْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ، فِيهِ تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنَ الْكَهْفِ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ‏.
الثَّانِي‏: حَدِيثُ الْفُتُونِ. طَوِيلٌ جِدًّا فِي نِصْفِ كَرَّاسٍ، يَتَضَمَّنُ شَرْحَ قِصَّةِ مُوسَى، وَتَفْسِيرَ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ نَبَّهَ الْحُفَّاظُ مِنْهُمُ الْمِزِّيُّ، وَابْنُ كَثِيرٍ، عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ قَلِيلٌ، صَرَّحَ بِعَزْوِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ‏: وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّات.
الثَّالِث: حَدِيثُ الصُّورِ، وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ حَدِيثِ الْفُتُونِ، يَتَضَمَّنُ شَرْحَ حَالِ الْقِيَامَةِ، وَتَفْسِيرَ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ سُوَرٍ شَتَّى فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، وَأَبُو يَعْلَى، وَمَدَارُهُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ‏. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِهِ، وَفِي بَعْضِ سِيَاقِهِ نَكَارَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَمَعَهُ مِنْ طُرُقٍ وَأَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَسَاقَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا‏.
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ تَفْسِيرَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ أَوْ غَالِبِهِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُمَرَ بِأَنَّهُ قَالَ: مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ بِهِ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَهَا‏.
دَلَّ فَحْوَى الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُفَسِّرُ لَهُمْ كُلَّ مَا نَزَلَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُفَسِّرْ هَذِهِ الْآيَةَ لِسُرْعَةِ مَوْتِهِ بَعْدَ نُزُولِهَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِهَا وَجْهٌ‏.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا آيًا بَعْدَ عِلْمِهِ إِيَّاهُنَّ مِنْ جِبْرِيلَ.
فَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَوَّلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، عَلَى أَنَّهَا إِشَارَاتٌ إِلَى آيَاتٍ مُشْكِلَاتٍ أُشْكِلْنَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ اللَّهُ عِلْمَهُنَّ، فَأَنْزَلَ إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ‏.

.خاتمة (الكتاب):

وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِتْمَامِ هَذَا الْكِتَابِ الْإِتْقَانِ الْبَدِيعِ الْمِثَالِ، الْمَنِيعِ الْمَنَالِ، الْفَائِقِ بِحُسْنِ نِظَامِهِ عَلَى عُقُودِ الْآلِ، الْجَامِعِ لِفَوَائِدَ وَمَحَاسِنَ لَمْ تَجْتَمِعْ فِي كِتَابٍ قَبْلَهُ فِي الْعُصُرِ الْخَوَالِ.
أَسَّسْتُ فِيهِ قَوَاعِدَ مُعِينَةً عَلَى فَهْمِ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَبَيَّنْتُ فِيهِ مَصَاعِدَ يُرْتَقَى فِيهَا لِلْإِشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِهِ وَيُتَوَصَّلُ، وَأَرْكَزْتُ فِيهِ مَرَاصِدَ تَفْتَحُ مِنْ كُنُوزِهِ كُلَّ بَابٍ مُقْفَلٍ.
فِيهِ لُبَابُ الْعُقُولِ، وَعُبَابُ الْمَنْقُولِ، وَصَوَابُ كُلِّ قَوْلٍ مَقْبُولِ، مَحَّضْتُ فِيهِ كُتُبَ الْعِلْمِ عَلَى تَنَوُّعِهَا، وَأَخَذْتُ زُبْدَهَا وَدُرَّهَا، وَمَرَرْتُ عَلَى رِيَاضِ التَّفَاسِيرِ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهَا، وَاقْتَطَفْتُ ثَمَرَهَا وَزَهْرَهَا، وَغُصْتُ بِحَارَ فُنُونِ الْقُرْآنِ فَاسْتَخْرَجْتُ جَوَاهِرَهَا وَدُرَرَهَا، وَبَقَرْتُ عَنْ مَعَادِنِ كُنُوزٍ فَخَلَّصْتُ سَبَائِكُهَا، وَسَبَكْتُ فِقَرَهَا.
فَلِهَذَا تَحَصَّلَ فِيهِ مِنَ الْبَدَائِعِ مَا تُبَتُّ عِنْدَهُ الْأَعْنَاقُ بَتًّا، وَتَجَمَّعَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ مَا تَفَرَّقَ فِي مُؤَلِّفَاتٍ شَتَّى، عَلَى أَنِّي لَا أَبِيعُهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَلَا أَدَّعِي أَنَّهُ جَمَعَ سَلَامَةً، كَيْفَ وَالْبَشَرُ مَحَلُّ النَّقْصِ بِلَا رَيْبٍ.
هَذَا وَإِنِّي فِي زَمَانٍ مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَ أَهْلِيهِ مِنْ الْحَسَدِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِمُ اللُّؤْمُ حَتَّى جَرَى مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ مِنَ الْجَسَدِ‏.
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ ** طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ

لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ ** مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ

قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ وَطَمَّهُمْ، وَأَعْمَاهُمْ حُبُّ الرِّيَاسَةِ وَأَصَمَّهُمْ، قَدْ نَكَبُوا عَنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَنَسَوْهُ، وَأَكَبُّوا عَلَى عِلْمِ الْفَلَاسِفَةِ وَتَدَارَسُوهُ، يُرِيدُ الْإِنْسَانُ مِنْهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَزِيدَهُ تَأْخِيرًا، وَيَبْغِي الْعِزَّ وَلَا عِلْمَ عِنْدِهِ، فَلَمْ يَجِدْ لَهُ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا‏.
أَتَمْشِي الْقَوَافِي تَحْتَ غَيْرِ لِوَائِنَا ** وَنَحْنُ عَلَى أَقْوَالِهَا أُمَرَاءُ

وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نَرَى إِلَّا أُنُوفًا مُشَمَّرَةً، وَقُلُوبًا عَنِ الْحَقِّ مُسْتَكْبِرَةً، وَأَقْوَالًا تَصْدُرُ عَنْهُمْ مُزَوَّرَةً، كُلَّمَا هَدَيْتَهُمْ إِلَى الْحَقِّ كَانَ أَصَمَّ وَأَعْمَى لَهُمْ، كَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوَكِّلْ بِهِمْ حَافِظِينَ يَضْبِطُونَ أَقْوَالَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، فَالْعَالِمُ بَيْنَهُمْ مَرْجُومٌ يَتَلَاعَبُ بِهِ الْجُهَّالُ وَالصِّبْيَانُ، وَالْكَامِلُ عِنْدَهُمْ مَذْمُومٌ دَاخِلٌ فِي كِفَّةِ النُّقْصَانِ.
وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهِ السُّكُوتُ وَالْمَصِيرُ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ الْبُيُوتِ، وَرَدُّ الْعِلْمِ إِلَى الْعَمَلِ، لَوْلَا مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْأَخْبَار: «مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ».
وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِل:
ادْأَبْ عَلَى جَمْعِ الْفَضَائِلِ جَاهِدًا ** وَأَدِمْ لَهَا تَعَبُ الْقَرِيحَةِ وَالْجَسَدْ

وَاقْصِدْ بِهَا وَجْهَ الْإِلَهِ وَنَفْعَ مَنْ ** بَلَّغْتَهُ مِمَّنْ جَدَّ فِيهَا وَاجْتَهَدْ

وَاتْرُكْ كَلَامَ الْحَاسِدِينَ وَبَغْيَهُمْ ** هَمَلًا فَبَعْدَ الْمَوْتِ يَنْقَطِعُ الْحَسَدْ

وَأَنَا أَضْرَعُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَعَزَّ سُلْطَانُهُ، كَمَا مَنَّ بِإِتْمَامِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُتِمَّ النِّعْمَةَ بِقَبُولِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَتْبَاعِ رَسُولِهِ، وَأَنْ لَا يُخَيِّبَ أَمَلَنَا فَهُوَ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ أَمَّلَهُ، وَلَا يَخْذِلُ مَنِ انْقَطَعَ عَمَّنْ سِوَاهُ وَأَمَّلَهُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ‏.